الشيخ الأميني
263
الغدير
القهقرى ، فتبقى مرتطمة بين هذه وبين تهالكها في الفجور وسيئ الخلق ، فتعود دولة قيصرية ومملكة جاهلية . ثم إن نفس الخليفة إذا شاهد من استحوذ عليهم من الأمم على هذه الأحوال ، وعلم أنه قد ملك الرقاب ولا منكر عليه من بينهم على مأثم يرتكبها أو سيئات يجترحها فإنه بالطبع يتوغل في غلوائه ، ويزداد في انهماكه ، ويشتد في التفرعن والاستعباد . فأي خطر ( أيها الخضري ) أعظم على المجتمع الديني من هذه الأحوال ؟ ! وأي مصلحة أعظم من اكتساح هذه المعرة ؟ تدفع كل ديني غيور إلى النهوض في وجه هذه السلطة القاسية ، وأي ( عسف شديد ينوء الناس بحمله ) أو ( جور ظاهر لا يحتمل ) أشد مما ذكرنا ؟ ! الذي يترك كل متدين أن يرى من واجبه الانكار عليه ، والنهضة تجاهه ولو بمفرده ، وإن علم أنه مقتول لا محالة ، فإنه وإن يقتل في يومه لكن حياته الأبدية في سبيل الدين والشريعة لا تزال مضعضعة لأركان الدولة الظالمة ، وهو فيها يتلو على الملأ صحيفة صاحبها السوداء ، وإنه كان مغتصبا ذلك العرش المقدس ، وإنه إنما وئد هذا الانسان دون إنكاره على جرائمه ، ويتخذ الملأ الواقف على حديثه درسا راقيا من التضحية ، والمفادات دون المبدء الصحيح ، فيقتصون أثره ، ويحصل هناك قوم يرقبون لهذا المضحي فينهضون لثاراته ، وفي الأمة بقية ساخطة لمآثم المتغلب ، وفتكه بالمنكر عليه ، فتلتقي الروحان : الثائرة والساخطة ، فتنهك هذه قوى الدولة الغاشمة ، وتتثبط الأخرى عن مناصرتها ، فيكون هناك بوار الظلم ، وظهور الصالح العام . وهكذا أثرت نهضة الحسين المقدسة حتى أجهزت على دولة الأمويين أيام حمارهم ، وهكذا علمت الأمة دروسها الراقية ، لكن ( الخضري ) ومن يلف لفه قد أعشى الجهل أبصارهم بصائرهم . لم يكن حسين التضحية يريد ملكا عضوضا حتى كان خروجه قبل الأهبة خطأ عظيما كما يحسبه ( الخضري ) فيقول بملأ فمه : فحيل بينه وبين ما يشتهي وقتل دونه . . وإنما أراد الفادي الكريم والمجاهد الظافر التضحية في سبيل الدين ، ليعلم الأمة